لسان العرب
ابن منظور (ت 711هـ)
غنا: فِي أَسْماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الغَنِيُّ. ابْنُ الأَثير: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتاجُ إِلَى أَحدٍ فِي شيءٍ وكلُّ أَحَدٍ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الغِنى المُطْلَق وَلَا يُشارِك اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ غيرُهُ. وَمِنْ أَسمائه المُغْنِي، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي يُغني مَنْ يشاءُ مِنْ عِباده. ابْنُ سِيدَهْ: الغِنَى، مقصورٌ، ضدُّ الفَقْر، فَإِذَا فُتِح مُدَّ؛ فأَما قَوْلُهُ:
سَيُغْنِيني الَّذِي أَغْنَاكَ عَنِّي، ... فَلَا فَقْرٌ يدُومُ وَلَا غِناءٌ
فَإِنَّهُ: يُروى بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ أَراد مصدَرَ غَانَيْت، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْفَتْحِ أَراد الغِنى نَفْسه؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: إِنَّمَا وَجْهُه وَلَا غَناء لأَن الغَناء غيرُ خارجٍ عَنْ مَعْنَى الغِنى؛ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَنشده مَنْ يُوثَقُ بعِلْمِه. وَفِي الْحَدِيثِ:
خيرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى، وَفِي رِوَايَةٍ:
مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى
أَي مَا فَضَل عَنْ قُوت الْعِيَالِ وكِفايتِهِمْ، فَإِذَا أَعْطَيْتَها غَيْرَك أَبْقَيْتَ بعدَها لكَ ولهُم غِنًى، وَكَانَتْ عَنِ اسْتِغْناءٍ منكَ، ومِنْهُم عَنْها، وَقِيلَ: خيرُ الصَّدَقَة مَا أَغْنَيْتَ بِهِ مَن أَعْطَيْته عَنِ المسأَلة؛ قَالَ: ظَاهِرُ هَذَا الكلامِ أَنه مَا أَغْنى عَنِ المَسْأَلة فِي وقْتِه أَو يَوْمِه، وأَما أَخْذُه عَلَى الإِطلاق فَفِيهِ مَشقَّة للعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ:
رجلٌ رَبَطها تَغَنِّياً وتَعَفُّفًا
أَي اسْتَغْناءً بِهَا عَنِ الطَّلب مِنَ النَّاسِ. وَفِي حَدِيثِ الجُمعة:
مَن اسْتَغْنَى بلَهْوٍ أَو تِجارةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ، واللهُ غَنِيٌّ حَمِيد، أَي اطَّرَحَه اللهُ ورَمَى بِهِ مِنْ عَيْنه فِعْلَ مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الشَّيْءِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: جَزاهُ جَزاءَ اسْتِغْنائه عَنْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. وَقَدْ غَنِيَ بِهِ عَنْهُ غُنْيَة وأَغْناه اللَّهُ. وَقَدْ غَنِيَ غِنىً واسْتَغْنَى واغْتَنَى وتَغَانَى وتَغَنَّى فَهُوَ غَنِيٌّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: كَانَ سفيانُ بنُ عُيَيْنة يَقُولُ ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَغنِ بِالْقُرْآنِ عَنْ غيرِه وَلَمْ يَذْهَبْ بِهِ إِلَى الصَّوْتِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهَذَا جائزٌ فَاشٍ فِي كلام العرب، ويقول: تَغَنَّيْت تَغَنِّياً بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْت وتَغانَيْتُ تَغانِياً أَيضاً؛ قَالَ الأَعشى:
وكُنْتُ امْرَأً زَمَناً بالعِراق، ... عَفِيفَ المُناخِ طَويلَ التَّغَنْ
يُرِيدُ الاسْتِغْناءَ، وَقِيلَ: أَرادَ مَنْ لَمْ يَجْهَر بِالْقِرَاءَةِ. قَالَ الأَزهري: وأَما الْحَدِيثُ الْآخَرُ
مَا أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كأَذَنِه لنَبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآنِ يَجْهَرُ بِهِ، قَالَ: فإنَّ عبدَ الملِك أَخْبرني عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنه قَالَ مَعْنَاهُ تَحْسِينُ القِراءةِ وتَرْقِيقُها، قَالَ: وَمِمَّا يُحَقّقُ ذَلِكَ الحديثُ الآخرُ
زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، قَالَ: ونحوَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ؛ وَقَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: الَّذِي حَصَّلْناه مِنْ حُفَّاظ اللُّغَةِ فِي
قَوْلِهِ، ﷺ: كأَذَنِه لِنَبيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآنِ، أَنه عَلَى مَعْنَيَيْنِ: عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ، وَعَلَى التَّطْرِيبِ؛ قَالَ الأَزهري: فَمَنْ ذهَب بِهِ إِلَى الِاسْتِغْنَاءِ فَهُوَ مِنَ الغِنَى، مقصورٌ، وَمَنْ ذهَب بِهِ إِلَى التَّطْرِيبِ فَهُوَ مِنَ الغِنَاء الصَّوْتِ، ممدودٌ. الأَصمعي فِي الْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ: الغِنَى مِنَ الْمَالِ مقصورٌ، وَمِنَ السَّماعِ مَمْدُودٌ، وكلُّ مَنْ رَفَع صوتَه ووَالاهُ فصَوْتُه عِنْدَ الْعَرَبِ غِناءٌ. والغَنَاءُ، بالفتح: النَّفْعُ. والغِناء، بِالْكَسْرِ: مِنَ السَّماع. والغِنَى، مقصورٌ: اليَسارُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: كَانَتِ الْعَرَبُ تتَغَنَّى بالرُّكْبانيِّ،[[. قوله [الركباني] في هامش نسخة من النهاية: هو نشيد بالمد والتمطيط يعني لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يضع القرآن موضع الركباني في اللهج به والطرب عليه.]] إِذَا رَكِبَت الإِبلَ، وَإِذَا جَلَست فِي الأَفْنِية وَعَلَى أَكثر أَحوالها، فلمَّا نَزَلَ القرآنُ أَحبَّ النبيُّ، ﷺ، أَن يَكُونَ هِجِّيرَاهُم بِالْقُرْآنِ مكانَ التَّغَنِّي بالرُّكْبانيِّ، وأَوَّلُ مَن قرَأَ بالأَلحانِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكْرة، فَوَرِثَه عَنْهُ عَبَيْدُ اللَّهِ بنُ عُمر، وَلِذَلِكَ يُقَالُ قرأْتُ العُمَرِيَّ، وأَخَذ ذَلِكَ عَنْهُ سعيدٌ العَلَّافُ الإِباضيُّ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَعِنْدِي جارِيتان تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ
أَي تُنْشِدانِ الأَشعارَ الَّتِي قيلَتْ يومَ بُعاث، وَهُوَ حربٌ كَانَتْ بَيْنَ الأَنصار، وَلَمْ تُرِدِ الغِناء المعروفَ بَيْنَ أَهلِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، وَقَدْ رَخَّصَ
عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي غناءِ الأَعرابِ وَهُوَ صوتٌ كالحُداءِ.
واسْتَغْنَى اللهَ: سأَله أَن يُغْنِيهَ؛ عَنِ الهَجَري، قَالَ: وَفِي الدُّعَاءِ
اللهمَّ إِنِّي أَسْتَغْنِيكَ عَنْ كلِّ حازِمٍ، وأَسْتَعِينُك عَلَى كلِّ ظالِمٍ.
وأَغْناهُ اللهُ وغَنَّاه، وَقِيلَ: غَنَّاه فِي الدُّعَاءِ وأَغْناه فِي الْخَبَرِ، وَالِاسْمُ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الشَّيْءِ الغُنْيَة والغُنْوة والغِنْية والغُنْيانُ. وتَغانُوا أَي اسْتَغْنَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ؛ قَالَ المُغيرة بْنُ حَبْناء التَّميمي.
كِلانا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيه حَياتَه، ... ونَحْنُ إِذَا مُتْنا أَشَدُّ تَغَانِيَا
واسْتَغْنَى الرجلُ: أَصابَ غِنًى. أَبو عُبَيْدٍ: أَغْنَى اللهُ الرجلَ حَتَّى غَنِيَ غِنًى أَي صَارَ لَهُ مالٌ، وأَقناه اللهُ حَتَّى قَنِيَ قِنًى وَهُوَ أَن يَصيرَ لَهُ قِنيةٌ مِنَ الْمَالِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ غُلاماً لأُناسٍ فُقَراء قَطَع أُذُنَ غُلامٍ لأَغْنِياءَ، فأَتَى أَهلُه النَّبِيَّ، ﷺ، فلم يَجْعَلْ عليه شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ الأَثير: قَالَ الخطَّابي كانَ الغلامُ الْجَانِي حُرًّا وَكَانَتْ جِنايتُه خَطَأً وَكَانَتْ عاقِلَتُه فقراءَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لفَقْرِهم. قَالَ: ويُشْبِه أَن يَكُونَ الغلامُ المَجْنيّ عَلَيْهِ حُرًّا أَيضاً، لأَنه لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لاعتذارِ أَهلِ الْجَانِي بالفَقْرِ مَعْنًى، لأَن الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا لَا تحْمِلُ عَمْداً وَلَا اعْتِرَافًا، فَأَمَّا المَمْلوك إِذَا جنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فجنايَتُه فِي رَقَبَتِه، وللفُقهاء فِي اسْتِيفائها مِنْهُ خلافٌ؛ وَقَوْلُ أَبِي المُثَلّم:
لَعَمْرُكَ والمَنايا غالِياتٌ، ... وَمَا تُغْنِي التَّمِيماتُ الحِمامَا[[. قوله [غاليات] هو هكذا في المحكم بالمثناة.]]
أَرَادَ مِنَ الحِمامِ، فحذَفَ وعَدَّى. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَما مَا أُثِرَ مِنْ أَنه قيلَ لابْنةِ الخُسِّ مَا مِائةٌ مِنَ الضأْنِ فَقَالَتْ غِنَى، فرُوِي لِي أَن بعضَهم قَالَ: الغِنَى اسمُ المِائةِ مِنَ الغَنمِ، قَالَ: وَهَذَا غيرُ معروفٍ فِي موضوعِ اللغةِ، وَإِنَّمَا أَرادَتْ أَن ذَلِكَ العدَدَ غِنًى لمالِكِه كَمَا قِيلَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا مِائةٌ مِنَ الإِبلِ فَقَالَتْ مُنى، فَقِيلَ لَهَا: وَمَا مِائة مِنَ الْخَيْلِ؟ فَقَالَتْ: لَا تُرَى؛ فمُنى وَلَا تُرَى لَيْسَا باسمَين لِلْمِائَةِ مِنَ الإِبلِ والمِائةِ مِنَ الخَيْلِ، وكتَسْمِية أَبِي النَّجْم فِي بعضِ شعْره الحِرْباء بالشقِيِّ، وَلَيْسَ الشَّقِيُّ باسمٍ للحِرْباء، وَإِنَّمَا سمَّاه بِهِ لمكابَدَتِه للشمسِ واستِقبالِه لَهَا، وَهَذَا النحوُ كثيرٌ. والغَنِيُّ والغَانِي: ذُو الوَفْرِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي لعَقِيل بْنِ عُلَّفة قَالَ:
أَرى المالَ يَغْشَى ذَا الوُصُومِ فَلَا تُرى، ... ويُدْعى مِنَ الأَشرافِ مَن كَانَ غَانِيا
وقال طَرَفَةُ:
وَإِنْ كنتَ عَنْهَا غَانِياً فاغْنَ وازْدَدِ
وَرَجُلٌ غانٍ عَنْ كَذَا أَي مُسْتَغْنٍ، وَقَدْ غَنِيَ عَنْهُ. وَمَا لَك عَنْهُ غِنًى وَلَا غُنْيَةٌ وَلَا غُنْيانٌ وَلَا مَغْنًى أَي مَا لَكَ عنهُ بُدٌّ. وَيُقَالُ: مَا يُغْنِي عَنْكَ هَذَا أي مَا يُجْزِئُ عَنْكَ وَمَا يَنْفَعُك. وَقَالَ فِي مُعْتَلِّ الأَلف: لِي عَنْهُ غُنْوَةٌ أَي غِنًى؛ حَكَاهُ اللِّحْيَانِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَالْمَعْرُوفِ غُنْيَة. والغانِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي غَنِيَتْ بالزَّوْج؛ وَقَالَ جَمِيلٌ:
أُحبُّ الأَيامى: إذْ بُثَيْنَةُ أَيِّمٌ، ... وأَحْبَبْتُ لمَّا أَن غَنِيتِ الغَوَانِيَا
وغَنِيَت المرأةُ بزَوْجِها غُنْيَاناً أَي اسْتَغْنَتْ، قَالَ قَيْسُ بنُ الخَطيم:
أَجَدَّ بعَمْرة غُنْيَانُها، ... فتَهْجُرَ أَمْ شانُنا شانُها؟
والغَانِيَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الشابَّة المُتَزَوّجة، وجمعُها غَوَانٍ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لنُصَيْب: فهَل تَعُودَنْ لَيالينا بِذِي سَلمٍ، كَمَا بَدَأْنَ، وأَيّامي بِهَا الأُوَلُ أَيّامُ لَيلى كعابٌ غيرُ غانِيَةٍ، وأَنتَ أَمْرَدُ معروفٌ لَك الغَزَلُ والغَانِيَة: الَّتِي غَنِيَتْ بحُسْنِها وَجَمَالِهَا عَنِ الحَلْي، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُطْلَب وَلَا تَطْلُب، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي غَنِيَتْ ببَيْتِ أَبَويْها وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا سِباءٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذِهِ أَعْزَبُها؛ وَهِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّي، وَقِيلَ: هِيَ الشابَّة العَفيفة، كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَو لَمْ يكُنْ. الْفَرَّاءُ: الأَغْنَاءُ إملاكاتُ العَرائسِ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الغِنَى التَّزْويجُ، والعَرَبُ تَقُولُ: الغِنَى حِصْنُ العَزَب أَي التَّزْويجُ. أَبو عُبَيْدَةَ: الغَوَانِي ذواتُ الأَزْواج؛ وأَنشد:
أَزْمانُ لَيْلَى كعابٌ غيرُ غَانِيَةٍ
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْ عِمَارَةَ: الغَوَانِي الشَّوابُّ اللَّواتي يُعْجِبْنَ الرجالَ ويُعْجِبُهُنَّ الشُّبَّانُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الغَانِيَة الجاريَةُ الحَسْناءُ، ذاتَ زوْج كَانَتْ أَو غيرَ ذاتِ زَوْج، سميِّتْ غانِيَة لأَنها غَنِيَتْ بحُسْنِها عَنِ الزينَة. وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: كلُّ امْرأَة غَانِيَةٌ، وَجَمْعُهَا الغَوَانِي؛ وأَما قَوْلُ ابنِ قَيْسِ الرُّقَيَّات:
لَا بارَكَ اللهُ فِي الغَوَانِي، هَلْ ... يُصْبِحْنَ إلَّا لَهُنَّ مُطَّلَب؟
فَإِنَّمَا حرَّك الياءَ بالكَسْرة للضَّرُورة ورَدَّه إِلَى أَصْله، وجائزٌ فِي الشِّعْرِ أَن يُرَدَّ الشيءُ إِلَى أَصْله؛ وَقَوْلُهُ
وأَخُو الغَوَانِ مَتَى يَشأْ يَصْرِمْنَهُ، ... ويَعُدْنَ أَعْداءً بُعَيْدَ ودادِ
إِنَّمَا أَراد الغَوَانِي، فحذَف الْيَاءَ تَشْبِيهَا لِلام المَعْرفة بِالتَّنْوِينِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الأَشياءُ مِنْ خَواصِّ الأَسماء، فحذَفَ الياءَ لأَجل اللَّامِ كَمَا تحذِفها لأَجل التَّنْوِينِ؛ وَقَوْلُ المثَقّب العَبْدي:
هَلْ عندَ غانٍ لفُؤادٍ صَدِ، ... مِنْ نَهْلَةٍ فِي اليَوْمِ أَوْ فِي غَدِ؟
إِنَّمَا أَراد غانِيَةٍ فذَكّرَ عَلَى إِرَادَةِ الشَّخْصِ، وَقَدْ غَنِيَتْ غِنًى. وأَغْنَى عَنْهُ غَنَاء فلانٍ ومَغْناه ومَغْنَاتَه ومُغْناهُ ومُغْنَاتَه: نابَ عَنْهُ وأَجْزَأَ عَنْهُ مُجْزَأَه. والغَنَاءُ، بالفتح: النَّفْعُ. والغَنَاءُ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ ممدودٌ: الإِجْزاءُ والكفايَة. يُقَالُ: رَجُلٌ مُغْنٍ أَي مُجْزئٌ كافٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الغَنَاءُ مصدرُ أَغْنَى عنْكَ أَي كَفاكَ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ مِثْلُ قَوْلِهِ:
وبعْدَ عَطائِك المائَةَ الرِّتاعا
وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: أَنّ عَلِيّاً، رَضِيَ اللَّهُ عنهُما، بَعث إِلَيْهِ بصَحيفة فَقَالَ لِلرَّسُولِ أَغْنِها عَنَّا
أَي اصْرفْها وكُفَّها، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ؛ أَي يَكُفُّه ويَكْفِيه. يُقَالُ: أَغْنِ عَني شَرَّكَ أَي اصْرِفْه وكُفَّهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً؛ وَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وأَنا لَا أُغْنِي لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَة
أَي لَوْ كَانَ مَعِي مَنْ يَمْنَعُني لكَفَيْت شَرَّهم وصَرَفْتُهم. وَمَا فِيهِ غَنَاءُ ذَلِكَ أَي إقامَتُه والاضْطلاعُ بِهِ. وغَنِيَ بِهِ أَي عَاشَ. وغَنِيَ القومُ بالدارِ غِنىً: أَقاموا. وغَنِيَ بِالْمَكَانِ: أَقامَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: تَقُولُ غَنِيَ بالمكانِ مَغْنىً وغَنِيَ القومُ فِي دِيارِهم إِذا طالَ مُقامُهم فِيهَا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا*، أَي لَمْ يُقِيموا فِيهَا، وَقَالَ مهَلْهِل:
غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ فِي الدَّهْر، ... وَفِيهَا بَنو مَعَدّ حُلُولا
وَقَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ لِلشَّيْءِ إِذا فَنِيَ كأَنْ لَمْ يَغْنَ بالأَمْسِ أَي كأَنْ لَمْ يَكُنْ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: ورَجلٌ سَمَّاهُ الناسُ عالِماً وَلَمْ يَغْنَ فِي العِلْمِ يَوْماً سالِماً
أَي لَمْ يَلْبَثْ فِي أَخْذ العِلْمِ يَوْماً تَامًّا، مِنْ قَوْلِكَ غَنِيتُ بالمَكان أَغْنَى إِذا أَقَمْتَ بِهِ. والمَغَانِي: المنازِلُ الَّتِي كَانَ بِهَا أَهْلُوها، واحِدُها مَغْنىً، وَقِيلَ: المَغْنَى المَنْزِلُ الَّذِي غَنِيَ بِهِ أَهْلُه ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهُ. وغَنِيتُ لَكَ مِنِّي بالبِرِّ والمَوَدَّة أَي بَقِيتُ. وغَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ أَي كَانَتْ دارُنا تِهامة، وأَنشد لمُهَلْهِل: غَنِيَتْ دارنُا أَي كَانَتْ، وَقَالَ تَمِيمُ بنُ مُقْبلٍ:
أَأُمَّ تَمِيمٍ، إِنْ تَرَيْني عَدُوَّكُم ... وبَيْتي فَقَدْ أَغْنى الحبيبَ المُصافِيا
أَي أَكونُ الحَبيبَ. الأَزهري: وسمِعْت رجُلًا مِنَ الْعَرَبِ يُبَكِّتُ خَادِمًا لَهُ يَقُولُ أَغْنِ عَنِّي وجهَكَ بَلْ شَرَّك بِمَعْنَى اكْفِني شَرَّك وكُفَّ عَنِّي شَرَّك، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، يَقُولُ: يَكْفِيه شُغْلُ نفسِه عَنْ شُغْلِ غَيْرِهِ. والمَغْنَى: واحدُ المَغَانِي وَهِيَ المواضعُ الَّتِي كَانَ بِهَا أَهْلُوها. والغِنَاءُ مِنَ الصَّوتِ: مَا طُرِّبَ بِهِ، قَالَ حُمَيْد بْنُ ثَوْرٍ:
عَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يكونُ غِنَاؤها ... فَصِيحاً، وَلَمْ تَفْغَرْ بمَنْطِقِها فَما
وَقَدْ غَنَّى بِالشِّعْرِ وتَغَنَّى بِهِ، قَالَ:
تَغَنَّ بالشِّعْرِ، إِمّا كنتَ قائِلَه، ... إِنَّ الغِناءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمارُ
أَراد إِنَّ التَّغَنِّيَ، فوَضَع الِاسْمَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ. وغَنَّاه بالشِّعْرِ وغَنَّاه إِيَّاه. وَيُقَالُ: غَنَّى فلانٌ يُغَنِّي أُغْنِيَّة وتَغَنَّى بأُغْنِيَّة حَسَنة، وَجَمْعُهَا الأَغانِي، فأَمَّا مَا أَنشده ابْنُ الأَعرابي مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
ثُمَّ بَدَتْ تَنْبِضُ أَحْرادُها، ... إِنْ مُتَغَنَّاةً وإِنْ حادِيَهْ
فإِنه أَرادَ إِنْ مُتَغَنِّيَةً، فأَبدلَ الياءَ أَلِفاً كَمَا قَالُوا الناصاةُ فِي الناصِية، والقاراةُ فِي القارِيةِ. وغَنَّى بالمرأَة: تَغَزَّلَ بِهَا. وغَنَّاهُ بِهَا: ذَكَّرهُ إِيّاها فِي شِعْرٍ، قَالَ:
أَلا غَنِّنا بالزَّاهِريَّة، إِنَّني ... عَلَى النَّأْيِ مِمَّا أَن أُلِمَّ بِهَا ذِكْرَا
وبَيْنَهم أُغنِيَة[[. 1 قوله «وبينهم أُغْنِية إلخ» في القاموس: وبينهم أُغْنِيَّة كأُثْفِيَّةِ، ويخفف ويكسران.]] وإِغْنِيَةٌ يَتَغَنَّون بِهَا أَي نَوعٌ من الغِناء، وَلَيْسَتِ الأُولى بِقَوِيَّةٍ إِذ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ أُفْعُلة إِلا أُسْنُمة، فِيمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ، وَالْجَمْعُ الأَغَانِي. وغَنَّى وتَغَنَّى بِمَعْنًى. وغَنَّى بالرجُلِ وتَغَنَّى بِهِ: مَدَحَه أَو هَجاهُ. وَفِي الْخَبَرِ:
أَنَّ بعضَ بَنِي كُلَيْب قَالَ لِجَرِيرٍ هَذَا غَسَّانُ السَّلِيطِي يَتَغَنَّى بِنَا
أَي يَهْجُونا، وَقَالَ جَرِيرٌ:
غَضِبْتُم عَلَيْنَا أَمْ تَغَنَّيْتُم بِنَا، ... أَنِ اخْضَرّ مِنْ بَطْنِ التِّلاعِ غَمِيرُها
وغَنَّيْت الرَّكْبَ بِهِ: ذَكَرْتُه لَهُمْ فِي شِعْرٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَعِنْدِي أَنَّ الغَزَل والمَدْحَ والهِجاءَ إِنما يُقَالُ فِي كلِّ واحدٍ مِنْهَا غَنَّيْت وتَغَنَّيت بَعْدَ أَن يُلَحَّن فيُغنَّى بِهِ. وغَنَّى الحمامُ وتَغنَّى: صَوّت. والغَناءُ: رَمْلٌ بعَيْنِه، قَالَ الرَّاعِي:
لَهَا خُصُورٌ وأَعْجازٌ يَنُوءُ بِهَا ... رَمْلُ الغَناءِ، وأَعْلَى متنها رُؤدُ[[. 1 قوله «رؤد» هو بالهمز في الأصل والحكم والتكملة، وفي ياقوت: رود بالواو.]]
التَّهْذِيبُ: ورَمْلُ الغَناءِ ممدودٌ[[. 2 قوله «ورمل الغناء ممدود» في التهذيب: مفتوح الأول، وَأَنْشَدَ بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ تنطقن إلخ. وفي معجم ياقوت: أنه بكسر الغين، وأنشد البيت على ذلك.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
تَنَطَّقْنَ مِنْ رمْلِ الغَناءِ وعُلِّقَتْ، ... بأَعْناقِ أُدْمانِ الظِّباءِ، القَلائِدُ
أَي اتَّخَذْن مِنْ رَمْلِ الغَناءِ أَعْجازاً كالكُثْبانِ وكأَنَّ أَعْناقَهُنَّ أَعْناقُ الظِّباء. وَقَالَ الأَصمعي: الغِناءُ موضِعٌ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الرَّاعِي:
رَمْل الغِناء، وأَعْلى مَتْنِها رُؤدُ
والمُغَنِّي: الفَصِيلُ الَّذِي يَصْرِفُ بِنابِه، قَالَ:
يَا أَيُّها الفُصَيِّلُ المُغَنِّي
وغَنِيٌّ: حَيٌّ من غَطَفان.
غنذي: التَّهْذِيبُ: قَالَ أَبو تُرَابٍ سَمِعتُ الضَّبَابِيَّ يَقُولُ إِنَّ فُلانة لتُعَنْذِي بالناسِ وتُغَنْذِي بِهِمْ أَي تُغْرِي بِهِمْ. ودَفَع اللَّهُ عَنْكَ غَنْذَاتَها أَي إِغْراءَها
غوى: الغَيُّ: الضَّلالُ والخَيْبَة. غَوَى، بالفَتح، غَيّاً وغَوِيَ غَوَايَةً؛ الأَخيرة عَنْ أَبي عُبَيْدٍ: ضَلَّ. ورجلٌ غَاوٍ وغَوٍ وغَوِيٌّ وغَيَّان: ضالٌّ، وأَغْواه هُوَ؛ وأَنشد لِلْمُرَقَّشِ:
فمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أَمْرَه ... ومَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائمَا
وَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّة:
وهَلْ أَنا إِلَّا مِنْ غَزِيَّة، إِن غَوَتْ ... غَوَيْتُ، وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّة أَرْشُدِ؟
ابْنُ الأَعرابي: الغَيُّ الفَسادُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: غَوٍ هُوَ اسمُ الفاعِلِ مِنْ غَوِيَ لَا مِنْ غَوَى، وَكَذَلِكَ غَوِيٌّ، وَنَظِيرُهُ رَشَدَ فَهُوَ راشِدٌ ورَشِدَ فَهُوَ رَشِيدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ يُطِع اللهَ ورَسُولَه فقَدْ رَشَد وَمَنْ يَعْصِهما فقَدْ غَوَى؛ وَفِي حَدِيثِ الإِسراء:
لَوْ أَخَذْت الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُك
أَي ضَلَّت؛ وَفِي الْحَدِيثِ:
سَيكونُ عَلَيْكم أَئِمَّةٌ إِن أَطَعْتُموهُم غَوَيْتُم؛ أَي إِنْ أَطاعُوهم فِيمَا يأْمُرُونَهم بِهِ مِنَ الظُّلْم وَالْمَعَاصِي غَوَوْا أَي ضَلّوا. وَفِي حَدِيثِ مُوسَى وَآدَمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: أَغْوَيْتَ النَّاسَ
أَي خَيَّبْتَهُم؛ يُقَالُ: غَوَى الرجُلُ خابَ وأَغْوَاه غَيْرُه، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى؛ أَي فسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُه، قَالَ: والغَوَّةُ والغَيَّةُ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: غَوَى أَي ترَك النَّهْيَ وأَكلَ مِنَ الشَّجَرة فعُوقِبَ بأَنْ أُخْرِجَ مِنَ الجنَّة. وَقَالَ اللَّيْثُ: مَصْدَرُ غَوَى الغَيُّ، قَالَ: والغَوَايَةُ الانْهِماكُ فِي الغَيِّ. وَيُقَالُ: أَغْوَاه اللَّهُ إِذا أَضلَّه. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ؛ وَحَكَى المُؤَرِّجُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ غَوَاهُ بِمَعْنَى أَغْوَاهُ؛ وأَنشد:
وكائِنْ تَرَى منْ جاهِلٍ بعدَ عِلْمِهِ ... غَوَاهُ الهَوَى جَهْلًا عَنِ الحَقِّ فانْغَوَى
قَالَ الأَزهري: لَوْ كَانَ عَواه الهَوَى بِمَعْنَى لَواهُ وصَرَفه فانْعَوَى كَانَ أَشبَه بكلامِ الْعَرَبِ وأَقرب إِلى الصواب. وقوله تعالى:
فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لهُمْ صِراطَك المُسْتَقِيمَ؛ قيلَ فِيهِ قَولانِ، قَالَ بَعْضُهُم: فَبما أَضْلَلْتَنِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَبما دَعَوْتَنِي إِلى شيءٍ غَوَيْتُ بِهِ أَي غَوَيْت مِنْ أَجلِ آدَمَ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ أَي عَلَى صِراطِك، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ضُرِبَ زيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ الْمَعْنَى عَلَى الظَّهْرِ والبَطْنِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ؛ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: الْغاوُونَ
الشياطِينُ، وَقِيلَ أَيضاً: الغَاوُونَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى أَنَّ الشاعرَ إِذا هَجَا بِمَا لَا يجوزُ هَوِيَ ذَلِكَ قَوْمٌ وأَحَبُّوه فَهُمُ الغَاوُون، وَكَذَلِكَ إِن مَدَح مَمْدُوحًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ وأَحَبَّ ذَلِكَ قَوْمٌ وتابَعوه فَهُمُ الغَاوُون. وأَرْضٌ مَغْوَاةٌ: مَضَلة. والأُغْوِيَّةُ: المَهْلَكة: والمُغَوَّيَاتُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً، جَمْعُ المُغَوَّاةِ: وَهِيَ حُفْرَةٌ كالزُّبْية تُحْتَفَر للأَسَدِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لمُغَلّس بْنِ لَقِيط:
وإِنْ رَأَياني قَدْ نَجَوْتُ تَبَغَّيَا ... لرِجْلي مُغَوَّاةً هَياماً تُرابُها
وَفِي مَثَلٍ لِلْعَرَبِ: مَن حَفَرَ مُغَوَّاةً أَوْشَكَ أَن يَقَع فِيهَا. ووَقَعَ الناسُ فِي أُغْوِيَّةٍ أَي فِي داهيَة. وَرُوِيَ عَنْ
عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: إِن قُرَيْشاً تريدُ أَن تكونَ مُغْوِيَاتٍ لِمَالِ اللهِ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَكَذَا رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الْوَاوِ، قَالَ: وأَما الَّذِي تَكَلَّمَت بِهِ الْعَرَبُ فالمُغَوَّياتُ، بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَاحِدَتُهَا مُغَوَّاةٌ، وَهِيَ حُفْرةٌ كالزُّبْية تُحْتَفَرُ للذئْبِ ويجعلُ فِيهَا جَدْيٌ إِذا نَظر الذئبُ إِليه سقَط عَلَيْهِ يريدهُ فيُصادُ، وَمِنْ هَذَا قيلَ لكلِّ مَهْلَكة مُغَوَّاةٌ؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ:
إِلى مُغَوَّاةِ الفَتى بالمِرْصاد
يُرِيدُ إِلى مَهْلَكَتِه ومَنِيَّتِه، وشَبَّهَها بِتِلْكَ المُغَوَّاةِ، قَالَ: وإِنما أَراد عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَن قُرَيْشًا تريدُ أَن تكونَ مهلكَةً لِمالِ اللهِ كإِهلاكِ تِلْكَ المُغَوَّاة لِمَا سَقَطَ فِيهَا أَي تكونَ مصايدَ للمالِ ومَهالِكَ كَتِلْكَ المُغَوَّياتِ. قَالَ أَبو عَمْرٍو: وكلُّ بئرٍ مُغَوَّاةٌ، والمُغَوَّاة فِي بَيْتِ رُؤبة: القَبْرُ. وتَغاوَوْا عَلَيْهِ أَيْ تَعاوَنُوا عَلَيْهِ فقَتَلُوه وتَغاوَوْا عليه: جاؤوه مِنْ هُنا وهُنا وإِن لَمْ يَقْتُلُوه. والتَّغَاوِي: التَّجَمُّع والتَّعاوُن عَلَى الشَّرِّ، وأَصلُه مِنَ الغَواية أَو الغَيِّ؛ يُبَيِّن ذَلِكَ شِعْرٌ لأُخْتِ المنذِرِ بنِ عَمْرٍو الأَنصارِيّ قالَتْه فِي أَخيها حِينَ قَتَله الْكُفَّارُ:
تَغَاوَتْ عَلَيْهِ ذِئابُ الحِجاز ... بَنُو بُهْثَةٍ وبَنُو جَعْفَرِ
وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقتْلَته قَالَ: فتَغَاوَوْا واللهِ عَلَيْهِ حَتَّى قَتلوه
أَي تَجَمَّعوا. والتَّغَاوِي: التَّعاوُنُ فِي الشَّرِّ، وَيُقَالُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ المسلِم قاتِل المشرِكِ الَّذِي كَانَ يَسُبُّ النبيَّ، ﷺ،
فتَغَاوَى الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَيُرْوَى بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ: وَالْهَرَوِيُّ ذكرَ مَقْتَل عثمانَ فِي الْمُعْجَمَةِ وَهَذَا فِي الْمُهْمَلَةِ. أَبو زَيْدٍ: وقَع فُلَانٌ فِي أُغْوِيَّة وَفِي وامِئة أَي فِي دَاهِيَةٍ. الأَصمعي: إِذَا كَانَتِ الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الشَّيْءِ قِيلَ هِيَ تَغَايَا عَلَيْهِ وَهِيَ تَسُومُ عَلَيْهِ، وَقَالَ شَمِرٌ: تَغَايَا وتَغَاوَى بِمَعْنًى واحدٍ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
وإنْ تَغَاوَى باهِلًا أَو انْعَكَرْ ... تَغَاوِيَ العِقْبانِ يَمْزِقْنَ الجَزَرْ
قَالَ: والتَّغَاوِي الارتقاءُ والانْحِدارُ كأَنه شيءٌ بعضُه فوْق بعضٍ، والعِقْبانُ: جَمْعُ العُقابِ، والجَزَرُ: اللحْمُ. وغَوِيَ الفصيلُ والسَّخْلَة يَغْوِي غَوىً فَهُوَ غَوٍ: بَشِمَ مِنَ اللبنِ وفَسَدَ جَوْفُه، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُمْنَع مِنَ الرَّضاعِ فَلَا يَرْوى حَتَّى يُهْزَل ويَضُرَّ بِهِ الجوعُ وتَسُوءَ حالُه ويموتَ هُزالًا أَو يكادَ يَهْلِكُ؛ قَالَ يَصِفُ قَوْسًا:
مُعَطَّفَة الأَثْناء لَيْسَ فَصِيلُها ... بِرازِئِها دَرّاً وَلَا مَيِّت غَوَى
وَهُوَ مصدرٌ يَعْنِي القوسَ وسَهْماً رَمَى بِهِ عَنْهَا، وَهَذَا مِنَ اللُّغَزِ. والغَوَى: البَشَمُ، وَيُقَالُ: العَطَش، وَيُقَالُ: هُوَ الدَّقى؛ وَقَالَ اللَّيْثُ: غَوِيَ الفَصِيلُ يَغْوَى غَوىً إِذَا لَمْ يُصِبْ رِيّاً مِنَ اللَّبن حَتَّى كَادَ يَهْلِك، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: يُقَالُ غَوَيتُ أَغْوَى وَلَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: غَوِيَ الصبيُّ والفَصِيلُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ اللَّبَنِ إلَّا عُلْقَةً، فلَا يَرْوَى وتَراهُ مُحْثَلًا، قَالَ شَمِرٌ: وَهَذَا هُوَ الصحيح عند أَصحابنا. والجوهري: والغَوَى مصدرُ قولِكَ: غَوِيَ الفَصِيلُ والسَّخْلَة، بِالْكَسْرِ، يَغْوَى غَوىً، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ أَنْ لَا يَرْوى مِنْ لِبَإِ أُمّه وَلَا يَرْوى مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى يموتَ هُزالًا. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الظَّاهِرُ فِي هَذَا الْبَيْتِ قولُ ابْنِ السِّكِّيتِ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَن الغَوَى البَشَم مِنَ اللَّبَن. وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب يُقَالُ: بتُّ مُغْوًى وغَوًى وغَوِيّاً وقاوِياً وقَوًى وقَويّاً ومُقْوِياً إِذَا بِتَّ مُخْلِياً مُوحِشاً. وَيُقَالُ رأَيته غَوِيّاً مِنَ الْجُوعِ وقَويّاً وَضوِيّاً وطَوِيّاً إِذَا كَانَ جائِعاً؛ وَقَوْلُ أَبي وَجْزَةَ:
حتَّى إِذَا جَنَّ أَغْوَاءُ الظَّلامِ لَهُ ... مِنْ فَوْرِ نَجْمٍ مِنَ الجَوزاء مُلْتَهِبِ
أَغْوَاءُ الظَّلام: مَا سَتَرَكَ بسَوادِهِ، وَهُوَ لِغَيَّة ولِغِيَّة أَي لزَنْيَةٍ، وَهُوَ نَقِيضُ قَوْلِكَ لِرَشْدَةٍ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الْكَسْرُ فِي غِيَّةٍ قليلٌ. والغَاوِي: الجَرادُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: إِذَا أَخْصَبَ الزمانُ جَاءَ الغَاوِي وَالْهَاوِي؛ الْهَاوِي: الذئبُ. والغَوْغَاء: الجَرادُ إِذَا احْمَرَّ وانْسَلَخ مِنَ الأَلْوان كلِّها وبَدَتْ أَجنِحتُه بَعْدَ الدَّبى. أَبو عُبَيْدٍ: الجَرادُ أَوّل مَا يكونُ سَرْوَةٌ، فَإِذَا تَحَرَّكَ فَهُوَ دَبًى قَبْلَ أَن تَنْبُتَ أَجنِحَتُه، ثُمَّ يكونُ غَوْغاء، وَبِهِ سُمِّي الغَوْغاءُ. والغاغَةُ مِنَ النَّاسِ: وَهُمُ الْكَثِيرُ الْمُخْتَلِطُونَ، وَقِيلَ: هُوَ الْجَرَادُ إِذَا صَارَتْ لَهُ أَجنحة وكادَ يَطيرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِلَّ فيَطِيرَ، يُذَكَّر ويُؤَنَّث ويُصْرَفُ وَلَا يُصْرف، واحِدتُه غَوْغَاءَةٌ وغَوْغَاةٌ، وَبِهِ سُمِّي الناسُ. والغَوْغَاء: سَفِلَة الناسِ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ. والغَوْغَاء: شيءٌ يُشبهُ البَعُوضَ وَلَا يَعَضُّ وَلَا يُؤذي وَهُوَ ضَعِيفٌ، فمَن صَرَفه وذَكَّرَهُ جَعَله بِمَنْزِلَةِ قَمْقام، والهمزةُ بدلٌ مِنْ وَاوٍ، وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْه جَعَله بِمَنْزِلَةِ عَوْراء. والغَوْغَاء: الصَّوتُ والجَلَبة؛ قَالَ الْحَرِثُ بنُ حِلِّزة الْيَشْكُرِيُّ: أَجْمَعُوا أَمْرَهم بلَيْلٍ، فلمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَت لَهُمْ غَوْغاءُ
وَيُرْوَى: ضَوْضاءُ. وَحَكَى أَبو عَلِيٍّ عَنِ قُطْرُب فِي نوادِرَ لَهُ: أَنّ مُذَكَّرَ الغَوْغاء أَغْوَغُ، وَهَذَا نادرٌ غيرُ مَعْرُوفٍ. وَحُكِيَ أَيضاً: تَغَاغَى عَلَيْهِ الغَوْغَاء إِذَا رَكِبُوه بالشَّرِّ. أَبو الْعَبَّاسِ: إِذَا سَمَّيْتَ رَجُلًا بغَوْغَاء فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ نَوَيْتَ بِهِ ميزانَ حَمراءَ لَمْ تَصْرِفْهُ، وَإِنْ نَوَيتَ بِهِ ميزانَ قعْقاع صَرَفْتَه. وغَوِيٌّ وغَوِيَّةُ وغُوَيَّةُ: أَسماءٌ. وبَنُو غَيَّانَ: حَيٌّ همُ الَّذِينَ
وَفَدوا عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنتم؟ فَقَالُوا: بَنو غَيّانَ، قَالَ لَهُمْ: بَنُو رَشْدانَ، فَبَنَاهُ عَلَى فَعْلانَ عِلْمًا مِنْهُ أَن غَيّانَ فَعْلانُ، وأَنَّ فَعْلانَ فِي كَلَامِهِمْ مِمَّا فِي آخِرِهِ الأَلفُ والنونُ أَكثرُ مِنْ فَعَّالٍ مِمَّا فِي آخِرِهِ الأَلف وَالنُّونُ، وتعليلُ رَشْدانَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا؛ قِيلَ: غيٌّ وادٍ فِي جَهَنَّم، وَقِيلَ: نَهَرٌ، وَهَذَا جَدِيرٌ أَن يَكُونَ نَهَرًا أَعَدَّه اللَّهُ لِلْغَاوِينَ سَمَّاه غَيّاً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاة غَيِّهم، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً؛ أَي مُجازاةَ الأَثامِ. وغَاوَةُ: اسمُ جَبَل؛ قَالَ المُتَلَمّس يُخَاطِبُ عَمْرَو بنَ هِنْد:
فَإِذَا حَلَلْتُ ودُونَ بَيْتيَ غَاوَةٌ، ... فابْرُقْ بأَرْضِكَ مَا بَدا لَكَ وارْعُدِ