آداب زيارة الإمام الحسين عليه السلام

الزيارات · زيارة الإمام الحسين عليه السلام

الشيخ عباس القمي (رحمه الله)

الأول : أن يصوم ثلاث أيام متوالية قبل الخروج من بيته ، ويغتسل في اليوم الثالث على ما أمر به الصادق صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ صفوان ، وستأتي الرواية عند ذكر الزيارة السابعة وقال الشيخ محمد ابن المشهدي في مقدّمات زيارة العيدين : إذا أردت زيارته عليه السلام فصم ثلاثة أيام واغتسل في اليوم الثالث واجمع إليك أهلك وعيالك وقل : اللّهُمَّ إِنِّي أسْتَوْدِعُكَ اليَوْمَ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمالِي وَوَلَدِي وَكُلَّ مَنْ كانَ مِنِّي بِسَبِيلٍ الشَّاهِدَ مِنْهُمْ وَالغائِبَ اللّهُمَّ بحفظك بِحِفْظِ الإيمانِ وَاحْفَظْ عَلَينا اللّهُمَّ وَاجْعَلْنا فِي حِرْزِكَ وَلاتَسْلُبْنا نِعْمَتَكَ وَلاتُغَيِّرْ ما بِنا مِنْ نِعْمَةٍ وَعافِيَةٍ وَزِدْنا مِنْ فَضْلِكَ إِنَّا إِلَيْكَ راغِبُونَ. واخرج من منزلك خاشعاً وأكثر من قول : لا إِلهَ إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ وَالحَمْدُ للهِ ، ومن تمجيد الله تعالى والصلاة على النبي وآله (صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهم) ، وامض وعليك السكينة والوقار. وروي أن الله يخلق من عرق زوّار قبر الحسين عليه السلام من كل عرقة سبعين ألف ملك يسبحون الله ويستغفرون له ولزوّار الحسين عليه السلام إلى أن تقوم الساعة.

الثاني : عن الصادق عليه السلام قال : إذا زرت أبا عبد الله عليه السلام فزره وأنت حزين مكروب شعث مغبر جائع عطشان ، فإنّ الحسين عليه السلام قتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبراً جائعاً عطشاناً واسأله الحوائج وانصرف عنه ولا تتخذه وطناً.

الثالث : أن لا يتخذ الزاد في سفر زيارته عليه السلام مما لذَّ وطاب من الغذاء كاللحم المشوي والحلاوة ، بل يغتذي بالخبز واللّبن. عن الصادق صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ قال : بلغني أن قوما إذا زاروا الحسين عليه السلام حملوا معهم السفر فيها الجِداء والاخبصة وأشباهه ، ولو زاروا قبور آبائهم وأحبّائهم ما حملوا معهم هذا. قال عليه السلام للمفضل بن عمر في حديث معتبر آخر : تزورون خير من أن لاتزورون ولا تزورون خيرٌ من أن تزوروا. قال قلت : قطعت ظهري. قال : تالله إن أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً وتأتونه بالسفر. كلاّ حتى تأتوه شعثاً غبراً.

أقول : ما أجدر للأثرياء والتجار أن يراعوا هذا الأمر في سفر زيارة الحسين صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ ، فإذا دعاهم أخلاؤهم في المدن الواقعة على المسير إلى المَآدب رفضوا الدعوة فإذا عمدوا إلى حقائبهم وسفرهم يملؤونها بما طاب من مطبوخ الزاد كالدجاج المشوي وغيره من الشواء أبوا ذلك وصدّوا عنه قائلين : إنّنا راحلون إلى كربلاء ولا يجدر بنا أن نتغذى بمثل ذلك.

روى الكليني (رض) : أنّه لما قتل الحسين صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما وبكت وبكت النساء والخدم حتى جفت دموعهن فأهدي إليها الجوني وهو القطا على مافسّر ليقتتن به فيقوين على البكاء على الحسين عليه السلام فلما رأته سألت عنه فقيل هو هدية أهداها فلان تستعنّ بها في مأتم الحسين عليه السلام فقالت : لسنا في عرس فما نصنع بها؟ فأمرت بإخراجه من الدار.

الرابع : مما ندب إليه في سفر زيارة الحسين عليه السلام هو التواضع والتذلّل والتخاشع والمشي مشي العبد الذليل. فمن ركب من الزائرين المراكب الحديثة التي تجري مسرعة بقوة البخار وأمثالها يجب عليه التحفظ والاحتراز عن الكبر والخيلاء والتمالك عن التبختر على سائر الزّوار من عباد الله الذين هم يقاسون الشدائد والصعاب في طريقهم إلى كربَلاءِ فلا يرنو إليهم نظر التحقير والازدراء. روى العلماء في أصحاب الكهف أنهم كانوا من خاصة دقيانوس ووزرائه فلمّا وسعتهم رحمة الله تعالى فاستقام فكرهم في معرفة الله عزّ وجلّ وفي إصلاح شأنهم استقرّوا على الرَّهبنة والانزواء عن الخلق والايواء إلى كهف يعبدون الله تعالى فيه فركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا وكان هو أحدهم : يا أخوتاه جاءت مسكنة الآخِرة وذهب ملك الدنيا إنزلوا عن خيولكم وامشوا على أرجلكم. (انزلوا عن الخيول وسيروا في سبيل الله على أرجلكم لعل الله تعالى ينزل عليكم عطفه ورحمته ويجعل لكم من أمركم مخرجاً) فنزل أولئك العظماء الأجلاء عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبعة فراسخ في ذلك اليوم حتى تقاطرت أرجلهم دماً. فعلى زائر هذا القبر الشريف أن يراعي هذا الأمر وليعلم أيضاً أن تواضعه في هذا الطريق لوجه الله تعالى إنما هو رفعة له واعتلاء. وقد روى في آداب زيارته عليه السلام عن الصادق عليه السلام قال : من أتى قبر الحسين صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة. فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامش حافياً وامش مشي العبد الذليل.

الخامس : أن يجتهد ما وسعه الاجتهاد في إعانة الزائر الراجل إذا شاهده وقد تعب وأعياه المسير فيهتم بشأنه ويبلغه منزلاً يستريح فيه ، وحذار من الاستخفاف به وعدم الاهتمام لشأنه.

روى الكليني بسند معتبر عن أبي هارون عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال لنفر عنده وأنا حاضر :

ما لكم تستخفون بنا؟ فقام من بينهم رجلٌ من أهل خراسان وقال : نعوذ بالله أن نستخفّ بكم أو بشي من أمركم. فقال : نعم أنت ممّن استخفّ بي وأهانني. قال الرجل : أعوذ بالله أن أكون كذلك. قال عليه السلام : ويلك ألم تسمع فلاناً يناديك عندما كنّا بقرب جحفة ، ويقول أركبني ميلاً فوالله لقد تعبت؟ إنك والله لم ترفع إليه رأسك واستخففت به ، ومن أذلّ مؤمنا فقد أذَلّنا وأضاع حرمة الله عزّ وجلّ.

أقول : راجع الأدب التاسع من آداب الزيارة العامّة فقد أوردنا هناك كلاماً يناسب المقام. ورواية عن علي بن يقطين وهذا الأدب الذي ذكرناه هنا لا يخص زيارة الحسين عليه السلام وإنما أوردناه هنا في الآداب الخاصّة بزيارته عليه السلام لكثرة مصادفة موارده في هذه الزيارة خاصة.

السادس : عن الثقة الجليل محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال : قلت له : إذا خرجنا إلى أبيك أفلسنا في حجّ؟ قال : بلى. قلت : فيلزمنا ما يلزم الحاج؟ قال : يلزمك حسن الصحبة لمن يصحبك ويلزمك قلّة الكلام إِلاّ بخير ، ويلزمك كثرة ذكر الله ويلزمك نظافة الثياب ، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحير ، ويلزمك الخشوع وكثرة الصلاة والصلاة على محمد وآل محمد ويلزمك التوقير لاخذ ما ليس لك ، ويلزمك أن تغضّ بصرك (من المحرّمات والمشتبهات) ويلزمك أن تعود على أهل الحاجة من إخوانك إذا رأيت منقطعاً ، والمواساة (أن تناصفه نفقتك) ويلزمك التقيّة التي قوام دينك بها ، والورع عمّا نهيت عنه وترك الخصومة وكثرة الايمان والجدال الّذي فيه الإيمان فإذا فعلت ذلك تمّ حجُّك وعمرتك واستوجبت من الذي طلبت ما عنده بنفقتك واغترابك عن أهلك ورغبتك فيما رغبت أن تنصرف بالمغفرة والرحمة والرضوان.

السابع : في حديث أبي حمزة الثمالي عن الصادق صلوات الله عليه في زيارة الحسين عليه السلام أنه قال : إذا بلغت نينوى فحطّ رحلك هناك ولا تدّهن ولا تكتحل ولا تأكل اللحم ما أقمت فيه.

الثامن : أن يغتسل بماء الفرات. فالروايات في فضله كثيرة ، وفي رواية عن الصادق صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ قال : من اغتسل بماء الفرات وزار قبر الحسين عليه السلام كان كيوم ولدته أُمه صفراً من الذنوب ولو اقترفها كبائر.

وروى أنّه قيل له عليه السلام ربما أتينا قبر الحسين بن علي عليه السلام فيصعب علينا الغسل للزيارة من البرد أو غيره. فقال عليه السلام : من اغتسل في الفرات وزار الحسين عليه السلام كتب له من الفضل ما لا يحصى.

وعن بشير الدّهان عن الصادق عليه السلام قال : من أتى قبر الحسين بن علي عليه السلام فتوضأ واغتسل في الفرات لم يرفع قدماً ولم يضع قدما ما إِلاّ كتب الله له حجّة وعمرة.

وفي بعض الروايات أئت الفرات واغتسل بحيال قبره. وكما يستفاد من بعض الروايات يحسن إذا بلغ الفرات أن يقول مائة مرة : الله أَكْبَرُ ، ومائة مرة : لا إِلهَ إِلاّ اللهِ ، ويصلي على محَمَّدٍ وَآلِهِ مائة مرة.

التاسع : أن يدخل الحائر المقدس من الباب الشرقي على ما أمر الصادق صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ يوسف الكناسي.

العاشر : عن ابن قولويه عن الصادق عليه السلام أنّه قال لمفضّل بن عمر يا مفضّل إذا أتيت قبر الحسين بن علي عليهما السلام فقف بالباب الروضة وقل هذه الكلمات فإنّ لك بكلّ كلمة منها كفلاً من رحمة الله فقلت : ما هي جعلت فداك؟ قال : تقول :

السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ إِبْراهِيمَ خَلِيلِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَلِيمِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عِيسى رُوحِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عَلِيٍّ وَصِيِّ رَسُولِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ الحَسَنِ الرَّضِيِّ السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الشَّهِيدُ الصِّدِّيقُ السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الوَصِيُّ البَّارُّ التَقِيُّ السَّلامُ عَلى الأَرواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ وَأَناخَتْ بِرَحْلِكَ السَّلامُ عَلى مَلائِكَةِ الله المُحْدِقِينَ بِكَ أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ وَأَمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ وَعَبَدْتَ الله مُخْلِصاً حَتّى أَتاكَ اليَقِينُ السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ. ثم تمضي إلى القبر ولك بكل خطوة تخطوها أجر المتشحط بدمه في سبيل الله فإذا اقتربت من القبر فامسحه بيدك وقل : السَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ الله فِي أَرْضِهِ وَسَمائِهِ. ثم تمضي إلى صلاتك ولك بكل ركعة ركعتها عنده كثواب من حجّ ألف حجّة واعتمر ألف عمرة وأعتق في سبيل الله ألف رقبة ، وكأنَّما وقف في سبيل الله ألف مرة مع نبيّ مرسل ... الخبر.

الحادي عشر : روي عن أبي سعيد المدائني قال : أتيت الصادق عليه السلام فسألته أأذهب إلى زيارة قبر الحسين عليه السلام فأجاب : بلى اذهب إلى زيارة قبر الحسين عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وآله أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين وأحسن المحسنين. فإذا زرته فسبّح عند رأسه بتسبيح أمير المؤمنين عليه السلام ألف مرة وسبّح عند رجليه بتسبيح الزهراء عليها السلام ألف مرّة ثم صل عنده ركعتين تقرأ فيهما سورة يَّس والرحمن ، فإذا فعلت ذلك كتب الله لك ثواب ذلك إن شاء الله تعالي.

قلت : جعلت فداك ، علمني تسبيح علي وفاطمة عليها السلام قال : بلى يا أبا سعيد تسبيح علي صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ هو : سُبْحانَ الَّذِي لاتَنْفَذُ خَزائِنُهُ سُبْحانَ الَّذِي لاتَبِيدُ مَعالِمُهُ سُبْحانَ الَّذِي لايُفْنى ماعِنْدَهُ سُبْحانَ الَّذِي لا يُشْرِكُ أَحَداً فِي حُكْمِهِ سُبْحانَ الَّذِي لا اضْمِحْلالَ لِفَخْرِهِ سُبْحانَ الَّذِي لا انْقِطاعَ لِمُدَّتِهِ سُبْحانَ الَّذِي لا إِلهَ غَيْرُهُ. وَتسبيح فاطمة عليها السلام هو : سُبْحانَ ذِي الجَلالِ الباذِخِ العَظِيمِ سُبْحانَ ذِي العِزِّ الشَّامِخِ المُنِيفِ ذِي المُلْكِ الفاخِرِ القَدِيمِ سُبْحانَ ذِي البَهْجَةِ وَالجَمالِ سُبْحانَ مَنْ تَرَدَّى بِالنُّورِ وَالوَقارِ سُبْحانَ مَنْ يَرى أَثَرَ النَّمْلِ فِي الصَّفاً وَوَقْعَ الطَّيْرِ فِي الهَواءِ!

الثاني عشر : أن تصلي الفرائض والنوافل عند قبر الحسين عليه السلام فإن الصلاة عنده مقبولة. وقال السيد ابن طاووس (رض) : اجتهد في أن تؤدي صلواتك كلها فريضة كانت أو نافلة في الحائر ، فقد روي أنّ الفريضة عنده تعدل الحجّ والنافلة تعدل العمرة.

أقول : قد مضى في حديث مفضّل فضل كثير للصلاة في الحائر الشريف. وفي رواية معتبرة عن الصادق عليه السلام قال : من صلى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتبت له حجّة وعمرة. والذي يبدو من الاخبار أنّ صلاة الزيارة أو غيرها من الصلوات يحسن أداؤها خلف القبر كما يحسن أن تؤدي ممّا يلي الرّأس الشريف وليتأخر المصلّي قليلاً إذا وقف مما يلي الرّأس حتى لا يكون محاذيا للقبر الشريف. وورد في رواية أبي حمزة الثمالي عن الصادق عليه السلام أنه قال : صلّ عند رأسه ركعتين تقرأ في الأولى الحمد ويَّس وفي الثانية الحمد والرحمن ، وإن شئت صلّيت خلف القبر وعند رأسه أفضل فإذا فرغت فصلّ ما أحببت إِلاّ أن الركعتين ركعتي الزيارة لابدّ منهما عند كل قبر.

وروى ابن قولويه عن الباقر عليه السلام أنّه قال لرجل : يا فلان ما ذا يمنعك إذا عرضتك حاجة أن تمضي إلى قبر الحسين صلوت الله عليه وتصلي عنده أربع ركعات ثم تسأل حاجتك؟ إنّ الفريضة عنده تعدل الحجّ والنافلة تعدل العمرة.