الزيارة السابعة : روى الشيخ في المصباح عن صفوان قال : استأذنت الصادق عليه السلام لزيارة مولاي الحسين عليه السلام وسألته أن يعرِّفني ماأعمل عليه فقال : يا صفوان صُمْ ثلاثة أيام قبل خروجك واغتسل في اليوم الثالث ثم اجمع إليك أهلك ثم قل : اللّهُمَّ إِنِّي اسْتَوْدِعُكَ ... الدعاء ، ثم علّمه دعاءً يدعو به إذا أتى الفرات ثم قال : ثم اغتسل من الفرات فإنّ أبي حدّثني عن آبائه عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن ابني هذا الحسين عليه السلام يقتل بعدي على شاطي الفرات فمن زاره واغتسل من الفرات تساقطت خطاياه كهيئة يوم ولدته أُمه فإذا اغتسلت فقل في غُسلك : بِسْمِ الله وَبِالله اللّهُمَّ اجْعَلْهُ نُوراً وَطَهُوراً وَحِرْزاً وَشِفاءاً مِنْ كُلِّ داءٍ وَسُقْمٍ وَعاهَةٍ ، اللّهُمَّ طَهِّرْ بِهِ قَلْبِي وَاشْرَحْ بِهِ صَدْرِي وَسَهِّلْ لِي بِهِ أَمْرِي. فإذا فرغت من غسلك فالبس ثوبين وصلّ ركعتين خارج المشرعة وهو المكان الذي قال الله تعالى : (وَفِي الأَرضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتُ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوانٌ وَغَيْرِ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاُكُلِ). فإذا فرغت من صلاتك فتوجه نحو الحائر وعليك السكينة والوقار وقصر خطاك فإن الله تعالى يكتب لك بكل خطوة حجة وعمرة وصر خاشعاً قلبك باكيةً عينك وأكثر من التكبير والتهليل والثناء على الله عز وجل والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله والصلاة على الحسين عليه السلام خاصة ولعن من قتله والبراءة ممّن أسس ذلك عليه ، فإذا أتيت باب الحائر فقف وقل :
الله أَكْبَرُ كَبِيراً وَالحَمْدُ للهِ كَثِيراً وَسُبْحانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلاً الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانا اللهِ ، لَقَدْ جأَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ. ثُمَّ قل : السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيَّ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خاتَمِ النَّبِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا سَيِّدَ المُرْسَلِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبِيبَ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا أمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا سَيِّدَ الوَصِيِّينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا قائِدَ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى الأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وَصِيَّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الصِّدِّيقُ الشَّهِيدُ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا مَلائِكَةَ الله المُقِيمِينَ فِي هذا المَقامِ الشَّرِيفِ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا مَلائِكَةَ رَبِّي المُحْدِقِينَ بِقَبْرِ الحُسَيْنِ عليه السلام ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ مِنِّي أَبَداً مابَقِيتُ وَبَقِيَ اللَيْلُ وَالنَّهارِ. ثم تقول : السَّلامُ عَلَيْكَ يا أبا عَبْدِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ المُقِرُّ بِالرِّقِّ وَالتَّارِكُ لِلْخِلافِ عَلَيْكُمْ وَالمُوالِي لِوَلِيِّكُمْ وَالمُعادِي لِعَدُوِّكُمْ قَصَدَ حَرَمَكَ وَاسْتَجارَ بِمَشْهَدِكَ وَتَقَرَّبَ إِلَيْكَ بِقَصْدِكَ ، أَأَدْخُلُ يا رَسُولَ الله أَأَدْخُلُ يا نَبِيَّ الله أَأَدْخُلُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَأَدْخُلُ يا سَيِّدَ الوَصِيِّينَ أَأَدْخُلُ يا فاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ العالَمِينَ أَأَدْخُلُ يا مَوْلايَ يا أبا عَبْدِ الله أَأَدْخُلُ يا مَوْلايَ يا ْبَن رَسُولَ اللهِ. فإن خشع قلبك ودمعت عينك فهو علامة الاذن ، ثم ادخل وقل : الحَمْدُ للهِ الواحِدِ الاَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي هَدانِي لِولايَتِكَ وَخَصَّنِي بِزِيارَتِكَ وَسَهَّلَ لِي قَصْدَكَ. ثم ائت باب القُبّة وقف من حيث يلي الرأس وقل :
السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ الله ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ إِبْراهِيمَ خَلِيلِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَلِيمِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عِيسى رُوحِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ عَلِيٍّ المُرْتَضى ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ فاطِمَةَ الزَهْراءِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ خَدِيجَةَ الكُبْرى ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا ثارَ الله وَابْنَ ثارِهِ وَالوِتْرَ المَوْتُورَ. أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ وَأَمَرْتَ بِالمَعْروفِ وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ وَأَطَعْتَ الله وَرَسُولَهُ حَتّى أَتاكَ اليَقِينُ ، فَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكَ وَلَعَنَ الله اُمَّةً ظَلَمَتْكَ وَلَعَنَ الله اُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرِضِيَتْ بِهِ. يا مَوْلايَ يا أبا عَبْدِ الله أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الاَصْلابِ الشَّامِخَةِ وَالأَرحامِ المُطَهَّرَةِ لَمْ تُنَجِّسْكَ الجاهِلِيَّةُ بِأَنْجاسِها وَلْمْ تُلْبِسْكَ مِنْ مُدْلَهِمَّاتِ ثِيابِها ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ دَعائِمِ الدِّينِ وَأَرْكانِ المُؤْمِنِينَ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ الإمام البَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الهادِي المَهْدِيُّ وَأشْهَدُ أَنَّ الأَئِمَّةِ مِنْ وَُلْدِكَ كَلِمَةُ التَّقْوى وَأَعْلامُ الهُدى وَالعُرْوَةُ الوُثْقى وَالحُجَّةُ عَلى أَهْلِ الدُّنْيا ، وَأُشْهِدُ الله وَمَلائِكَتَهُ وَأَنْبِيائَهُ وَرُسُلَهُ أَنِّي بِكُمْ مُوْمِنٌ وَبِإِيّابِكُمْ مُوقِنٌ بِشَرايِعِ دِينِي وَخَواتِيمِ عَمَلِي وَقَلْبِي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ وَأَمْرِي لاَمْرِكُمْ مُتَّبَعٌ ، صَلَواتُ الله عَلَيْكُمْ وَعَلى أَرْواحِكُمْ وَعَلى أَجْسادِكُمْ وَعَلى أَجْسامِكُمْ وَعَلىْ شاهِدِكُمْ وَعَلى غائِبِكُمْ وَعَلى ظاهِرِكُمْ وَعَلى باطِنِكُمْ.
ثم انكب على القبر وقبله وقل : بَأَبِي أَنْتَ وَاُمِّي يا بْنَ رَسُولِ الله بِأَبِي أَنْتَ وَاُمِّي يا أبا عَبْدِ الله لَقَدْ عَظُمَتْ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتِ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ وَالأَرض ، فَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسْرَجَتْ وَأَلْجَمَتْ وَتَهَيَّأَتْ لِقِتالِكَ يا مَوْلايَ يا أبا عَبْدِ الله قَصَدْتُ حَرَمَكَ وَآتَيْتُ إِلى مَشْهَدِكَ أَسْأَلُ الله بِالشَّأْنِ الَّذِي لَكَ عِنْدَهُ وَبِالمَحَلِّ الَّذِي لَكَ لَدَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ. ثم قُم فصلِّ ركعتين عند الرأس اقرأ فيهما ما أحببت فإذا فرغت من صلاتك فقل :
اللّهُمَّ إِنِّي صَلَّيْتُ وَرَكَعْتُ وَسَجَدْتُ لَكَ وَحْدَكَ لاشَرِيكَ لَكَ لاَنَّ الصَّلاةَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لا يَكُونُ إِلاّ لَكَ لاَنَّكَ أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي أَفْضَلَ السَّلامُ وَالتَّحِيَّةِ وَارْدُدْ عَلَيَّ مِنْهُمْ السَّلامَ ، اللّهُمَّ وَهاتانِ الرَّكْعَتانِ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلى مَوْلايَ الحُسِينِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ وَتَقَبَّلْ مِنُّي وَأَجِرْنِي عَلى ذلِكَ بِأَفْضَلِ أَمَلِي وَرَجائِي فِيكَ وَفِي وَلِيِّكَ يا وَلِيَّ المُؤْمِنِينَ.
ثم قم وصر إلى عند رجلي القبر وقف عند رأس علي بن الحسين عليه السلام وقل : السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ نَبِيِّ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ الحُسَيْنِ الشَّهِيدِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الشَّهِيدُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها المَظْلُومُ وَابْنُ المَظْلُومُ ، لَعَنَ الله أُمَّةً قَتَلَتْكَ وَلَعَنَ الله اُمَّةً ظَلَمَتْكَ وَلَعَنَ الله اُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ. ثم انكب على القبر وقل : السَّلامُ عَلَيْكَ يا وَلِيَّ الله وَابْنَ وَلِيهِ لَقَدْ عَظُمَتِ المُصِيبَةُ وَجَلَّتِ الرَّزِيَّةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكَ وَأَبْرَاُ إِلى الله وَإِلَيْكَ مِنْهُمْ.
ثم اخرج من الباب الذي عند رجلي علي بن الحسين عليه السلام ثم توجه إلى الشهداء وقل : السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أوْلِياء الله وَأَحِبّائهُ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أصْفِياءَ الله وَأَوِدَّائَهِ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ دِينِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ فاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الوَلِيِّ الزكي النَّاصِحِ ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أنْصارَ أَبِي عَبْدِ اللهِ ، بِأَبِي أَنْتُمْ وَاُمِّي طِبْتُمْ وَطابَتِ الأَرضُ الَّتِي فِيها دُفِنْتُمْ وَفُزْتُمْ فَوْزاً عَظِيماً فَيالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ مَعَكُمْ. ثم عد إلى عند راس الحسين عليه السلام وأكثر من الدّعاء لك ولأهلك ولوالديك ولاخوانك فإن مشهده لا ترد فيه دعوة داع ولا سؤال سائل.
أقول : تعرف هذه الزيارة باسم زيارة وارث وهي مأخوذة عن كتاب (مصباح المتهجد) للطوسي وهو من أرقى الكتب المعتبرة المشهورة في الأوساط العلمية وقد اقتطفت هذه الزيارة نصاً عن ذلك المأخذ الشريف من دون واسطة أتكل عليها فكانت كلمة الختام لزيارة الشهداء هي : فَيالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ مَعَكُمْ. فالزيادة التي ذيلت بها هذه الزيارة وهي : فِي الجِنانِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئِكَ رَفِيقاً ، السَّلامُ عَلى مَنْ كانَ فِي الحائِرِ مِنْكُمْ وَعَلى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الحائِرِ مَعَكُمْ ... الخ ، إنّما هي خروج عن المأثور ودس في الحديث. قال شيخنا في كتابه الفارسي (لؤلؤ ومرجان) : إن هذه الكلمات التي ذيّلت بها هذه الرواية إنما هي بدعة في الدّين وتجاسر على الإمام عليه السلام بالزيادة فيما صدر منه وفوق ذلك فهي تحتوي على أباطيل وأكاذيب بينة الكذب. والغريب المدهش أنها تنبث بين الناس وتذيع حتى تهتف بها في كل يوم وليلة عدّة آلاف مرة في مرقد الحسين عليه السلام وبمحضر من الملائكة المقرّبين وفي مطاف الأنبياء والمرسلين عليه السلام ولامنكر ينكرها أو رادع يردع عن الكذب والعصيان. فآل الأمر إلى أن تدون هذه الأباطيل وتطبع في مجاميع من الأدعية والزيارات يجمعها الحمقى من عموم الناس فتزعمها كتاباً فتجعل لها اسما من الأسماء ثم تتلاقفها المجاميع فتسري من مجموعة أحمق إلى مجموعة أحمق آخر. وتتفاقم المشكلة فيلتبس الأمر على بعض طلبة العلم والدّين وإني صادفت طالباً من طلبة العلم والدين وهو يزور الشهداء بتلك الأباطيل القبيحة فمسست كتفه فالتفت إلى فخاطبته قائلاً : ألا يشنع من الطالب أن ينطق بمثل هذه الأباطيل في مثل هذا المحضر المقدس؟ قال : أليست هي مرويّة عن الإمام عليه السلام فتعجّبت لسؤاله وأجبته بالنفي. قال : فإني قد وجدتها مدوّنة في بعض الكتب فسألته عن الكتاب فأجاب كتاب (مفتاح الجنان). فسكتّ عنه فإنه لا يليق أن يكالم المرء رجلاً أدّت به الغفلة والجهل إلى أن يعد المجموعة التي جمعها بعض العوام من الناس كتاباً من الكتب ويستند إليه مصدراً لما يقول ثم بسط الشيخ (رض) كلامه في هذا المقام وقال : إنّ عدم ردع العوام عن نظائر هذه الأمور غير الهامة والبدع الصغيرة كغسل أويس القرن وأبي الدرداء وهو التابع المخلص لمعاوية وصوم الصّمت بأن يتمالك المرء عن التكلّم بشيء في اليوم كلّه وغير ذلك من البدع التي لم يردع عنه رادع ولم ينكره منكر قد أورثت الجرأة والتطاول ففي كل شهر من الشهور وفي كل سنة من السنين يظهر للنّاس نبيّ أو إمام جديد فترى الناس يخرجون من دين الله أفواجاً انتهى. وأقول : أنا الفقير لاحظ هذا القول وأنعم النظر فيه أنّه القول الصادر وعن عالم جليل واقف على ذوق الشريعة المقدسة واتجاهها في سننها وأحكامها وهو يبدي بوضوح مبلغ اهتمام هذا العالم الجليل بالأمر ويكشف عمّا يكظمه في الفؤاد من الكآبة والهم ، فهو يعرف مساوئه وتبعاته على النّقيض من المحرومين عن علوم أهل البيت عليهم السلام المقتصرين على العلم بضغث من المصطلحات والالفاظ فهم لايعبأون بذلك ولا يبالون بل تراهم بالعكس يصحّحونه ويصبّونه ويجرون عليه في الاعمال فيستفحل الخطب ويعاف كتاب مصباح المتهجد والاقبال ومهج الدعوات وجمال الأسبوع ومصباح الزائر والبلد الأمين والجنة الواقية ومفتاح الفلاح والمقباس وربيع الأسابيع والتحفة وزاد المعاد ، ونظائرها فيستخلفها هذه المجاميع السخيفة فيدس فيها في (دعاء المجير) وهو دعاء من الأدعية المأثورة المعتبرة الكلمة بعفوك في سبعين موضعاً فلم ينكرها منكر. ودعاء الجوشن الكبير الحاوي على مائة فصل يبدع لكلّ فصل من فصوله أثراً من الآثار ومع مابلغتنا من الدعوات المأثورة ذات المضامين السامية والكلمات الفصيحة البليغة يصاغ دعاء سخيف غاية السخف فيسمّى بدعاء الحُبّي فينزّل من شرفات العرش فيفتري له من الفضل مايدهش المرء ويبهته من ذلك والعياذ بالله : أن جبرائيل بلَّغ النبي محمداً صلى الله عليه وآله أن الله تعالى يقول : إني لا أعذب عبداً يجعل معه هذا الدعاء وإن استوجب النار وأنفق العمر كله في المعاصي ولم يسجد لي فيه سجدة واحدة إنني أمنحه أجر سبعين ألف نبيّ وأجر سبعين ألف زاهد وأجر سبعين ألف شهيد وأجر سبعين ألف من المصلّين وأجر من كسى سبعين ألف عريان وأجر من أشبع سبعين ألف جائع ووهبته من الحسنات عدد حصى الصحارى وأعطيته أجر سبعين الف بقعة من الأَرض وأجر خاتم النبوّة لنبينا صلى الله عليه وآله وأجر عيسى روح الله وإبراهيم خليل الله وأجر إسماعيل ذبيح الله وموسى كليم الله ويعقوب نبي الله وآدم صفيّ الله وجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والملائكة. يا محمد من دعا بهذا الدعاء العظيم (دعاء الحبّى) أو جعله معه غفرت له واستحييت أن أعذّبه ... الخ. وجدير بالمرء أن يستبدل الضحك على هذه المفتريات الغريبة بالبكاء على كتب الشيعة ومؤلفاتهم ، الكتب القيّمة التي بلغت الرتبة السامية ضبطاً وصحّة وإتقاناً فكانت لايستنسخها في الغالب إِلاّ رجال من أهل العلم والدين فيقابلونها بنسخ نسختها أيدي أهل العلم وصحّحها العلماء وكانوا يلمحون في الهامش إلى ماعساه يوجد من الاختلاف بين النسخ. ومن نماذج ذلك أنا نرى في دعاء مكارم الأخلاق كلمة : وبلّغ بإيماني ، فيرد في الهامش أن في نسخة ابن اشناس : وأبلغ بإيماني ، وفي رواية ابن شاذان : اللّهُمَّ أبلغْ إيماني. وقد نرى الإشارة إلى أنّ الكلمة وجدت بخط ابن سكون هكذا وبخط الشهيد هكذا فهذه هي المرتبة الرفيعة التي نالتها كتب الشيعة ضبطاً وإتقانا وهذا مبلغ مابذلوه من الجهد في مداقتها وتصحيحها والان نجدها قد عفيت وتركت فاستخلفها كتاب مفتاح الجنان الذي وقفت على نزر من صفتها فيكون هو الكتاب الوحيد الذي تتداوله الأيدي ويرجع إليه العوام والخواص والعرب والعجم وماذلك إِلاّ لان أهل العلم والدين لا يبالون
بالأحاديث والروايات ولايراجعون كتب علماء أهل البيت الطَّاهرين وفقهائهم ولا ينكرون على أشباه هذه البدع والزوائد وعلى دسّ الدسّاسين والوضّاعين وتحريف الجاهلين ولايصدون من لا يرونه أهلاً ولا يردعون الحمقى فيبلغ الأمر حيث تلفق الأدعية بما تقتضيه الأذواق أو يصاغ زيارات ومفجعات وصلوات ويطبع مجاميع عديدة من الأدعية المدسوسة وينتج أفراخ بكتاب المفتاح وتعم المشكلة فيروج الدسّ والتحريف ونراهما يسيران من كتب الأدعية إلى سائر الكتب والمؤلفات فتجد مثلا كتابي الفارسي المسمى منتهى الآمال المطبوع حديثاً قد عبث فيه الكاتب بما يلائم ذوقه وفكره ومن نماذج ذلك ان الكاتب دسّ كلمة الحمد لله في أربعة مواضع خلال سطرين من الكتاب فقد كتب في حال مالك بن يسر اللعين : أنّه قد شُلت يداه بدعاء الحسين عليه السلام الحمد لله فكانتا في الصيف كخشبتين يابستين الحمد لله وفي الشتاء يتقاطر منهما الدم الحمد لله فكان عاقبة أمره خسراً الحمد لله ، ودس أيضاً في بعض المواضع كلمة السيدة (خانم) عقيب اسم زينب وأُم كلثوم تجليلاً لهما واحتراما وكأنّ الكاتب معادياً لحميد بن قحطبة فحرف اسمه إلى حميد بن قحبة ثم احتاط احتياطاً فأشار في الهامش إلى أن في بعض النّسخ حميد بن قحطبة واستصوب أن يكتب الاسم عبد الله عوض عبد ربّه والاسم زحر بن القيس وهو بالحاء المهملة التزم أن يسجله بالجيم أينما وجده وخطأ كلمة أُمّ سلمة فسجلها أمّ السّلمة ما وسعه ذلك.
والغاية التي توخيتها بعرض هذه النماذج من التحريف هي بيان أمرين : أولاً فلاحظ هذا الكاتب انه لم يجرِ ماأجراه من الدّس والتحريف إِلاّ وهو يزعم بفكره وذوقه أنّ في الكتاب نقصاً يجب أن يزال وليس النقص والوهن إِلاّ ما يجريه من التحريف فلنقس على ذلك الزيادات التي يبعثنا الجهل على اضافتها إلى الأدعية والزيارات والتغييرات والتصرفات التي تقتضيها طباعنا وأذواقنا الناقصة زعما أنّها تزيد الأدعية والزيارات كمالاً وبهاءً وهي تنتزع منه الكمال والبهاء وتسلبها الاعتبار عند أهلها العارفين. فالجدير أن نتحافظ على نصوصها المأثورة فيجزي عليها لا نزيد فيها شَيْئاً ولانحرف منها حرفاً ولنلاحظ ثانياً الكتاب الذي تكلمنا عنه أنّه كتاب لمؤلف حي يراقب كتابه ويترصّد له يجري فيه من التّحريف والتّشويه نظائر ما ذكرت فكيف القياس في سائر الكتب والمؤلفات وكيف يجوز الاعتماد على الكتب المطبوعة إِلاّ إذا كانت من المؤلفات المشهورة للعلماء المعروفين وعرضت على علماء الفن فصدّقوها وأمضوها.
وقد روي في ترجمة الثقة الجليل الفقيه المقدّم في أصحاب الأئمة عليهم السلام يونس بن عبد الرحمن
أنّه كان قد عمل كتاباً في أعمال اليوم والليلة فعرضه أبو هاشم الجعفري على الإمام العسكري عليه السلام فتصّفحه عليه السلام كله ثم قال : هذا ديني ودين آبائي كلّه وهو الحقّ كله. فهذا أبو هاشم الجعفري أراد الجري على كتاب يونس فلم يعتمد على سعة علم يونس وفقاهته وجلاله والتزامه بدينه حتّى عرض الكتاب على الإمام عليه السلام واستعلم رأيه فيه. وروي أيضاً عن بورق الشنجاني الهروي وكان معروفاً بالصدق والصلاح والورع أنه وافى الإمام العسكري عليه السلام في سامراء وعرض عليه كتاب اليوم والليلة الذي ألفه الشيخ الجليل فضل بن شاذان وقال : جعلت فداك أردت أن تطالع هذا الكتاب وتصفّحه قال عليه السلام : هذا صحيح ينبغي أن تعمل به. إلى غير ذلك من الروايات في هذا الباب وإنّي قد قدمت على تأليف هذا الكتاب وإنّي واقف على طباع الناس في هذا العصر وعدم اهتمامهم لنظائر هذه الأمور وإنما ألفته إتماما للحجّة عليهم فجددت واجتهدت في أخذ الأدعية والزيارات الواردة في هذا الكتاب عن مصادرها الأصيلة وعرضها على نسخ عديدة كما بذلت أقصى الجهد في تصحيحها واستخلاصها من الأخطاء كي يثق به العامل ويسكن إليه إن شاء الله ولكن الشرط هو أن لا يحرّفه الكاتب والمستنسخ وأن يتخلّى القاري عمّا يقتضيه طبعه وذوقه من التغيير.
وروى الكليني رضي الله عنه عن عبد الرحمن القصير قال : دخلت على الصادق صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ فقلت : جعلت فداك إنّي اخترعت دعاءً. قال : دعني من اختراعك. فأعرض عليه السلام عن اختراعه ولم يسمح أن يعرض عليه. ثم أنعم عليه بتعليمه عملاً ينبغي أن يؤدّيه.
وروى الصدوق عطر الله مرقده عن عبد الله بن سنان قال : قال الصادق عليه السلام : سيصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يُرى ولا إمام هدى ولا ينجو منها إِلاّ من دعا بدعاء الغريق. قلت : وكيف دعاء الغريق؟ قال : تقول : يا الله يا رَحْمنُ يا رَحِيمُ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ. فقلت : يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالاَبْصارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ. فقال : إن الله عزَّ وجلَّ مقلب القلوب والابصار ، ولكن قل كما أقول : يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ. وحسب العابثين بالدعوات إضافةً وتحريفاً بما تقتضيه أذواقهم وطبائعهم التأمّل في هاتين الروايتين والله العاصم.